facebook

الخميس، 21 فبراير، 2013

نضف مخلفات مُخك..

النظافة من الإيمان،  كانت دائماً و أبداً النجمة الأكثر بروزاً على الغلاف الخلفى لكتب اللغة العربية فى مصر و التى تعاقد معها مسئولوا الوزارة مدى الحياه ، محطمتةً أى فرصة لغيرها من نجمات الحِكم و الأقوال أو النصائح لتظهر بدلاً منها، النظافة من الأيمان دليلاً ماديّاً على تخلٌف جيل ، أظُن الله بباعثه يوم القيامه شاهداً علينا .. شاهدا على جيل – متدين بطبعه – بما أن النظافة من الأيمان فإنه نذر أن يكون أبعد ما يكون عنها ، " النظافة من الأيمان " و إن لم يكن حديثاً نبوياً قوى الإسناد، إلا إنه من أكثر الأحاديث إنتشاراً.و رغم ذلك ،فهو يشكونا  إلى الله كل يوم فى كل ساعه .. مع كل ورقة تلقى بلا أى اكتراث عن مصير الشارع إن وجد فى نفس المكان خلال نفس اليوم بضع أشخاص مثله، يشكونا مع كل صاحب محل النظافة بالنسبة له أن يحرك ما أمام محله إلى منتصف الطريق أو على أقصى التقديرات يضعها فى كيس ، ليضعه أيضاً بمنتصف الطريق ،و هذا هو النوع الذى أبجله  و ستعرفون بعد بضع سطور  السبب،
 من سنه و نصف .. كنت أمُر يومياً فى طريقى لأستقل أتوبيس الجامعة من سوق السيدة عائشة، متأخراُ دقائق معدودة عن الحدث الأكبر فى السوق كل يوم صباحاُ ..
 ففى تلك الأثناء تقوم زُمر من خيرة – أوساخ- السوق و بائعيه - الأوساخ أيضاُ- بتنظيف فرشَته بعد –رصّ- الخضار أستعداداُ لبدأ اليوم العالمى للتوسيخ – و الذى يستمر يومياُ على مدار العام- واضعين ما يجمعوه فى منتصف الطريق .. و هذا فعل عادى لا بشكل بالنسبة لى أى إنجاز. بل هو أقل من المتوقع هنا، و لكن الحدث الأقوى الذى كان دائماً يجذبنى متمنيّاً أن أعرف حقيقته و من روائه، هو ذلك الكائن الذى يجمع مخلفات يومه و فرشته فى –كيس- !! و اضعا أيضاً إياها فى منصف الطريق ، موقف للوهلة الأولى يبدو عادياُ يمكن أن يمرّ عليك كل يوم دون أن تلحظ .. المهم ظللت على حيرتى إلى أن منحنى الله ما كنت أتمنى .. فقد نزلت يومها مبكراً –كعادتى أيام الامتحانات-  و كان اليوم عادى مصحوباً بأغبرة صفراء كريهة الرئحه ناتجة عن إضطرابات المعدة و الأمعاء التى تصيب الجيل بأكمله أيام المتحانات ، إلى أن رأيته .. ذلك الجوال ذو الزوايا المتدليه من كل حانب .. بعضها محتضن الأرض و ما تبقى تماسك  محتضناً بعضه و كأنه طفل يخاف أن يفلت من أمه .. جوالاً متحركاً يعبر الشارع يحمل كيساً أسود لا يقل عنها ضخامتاً إلا القليل ، لتضعه فى قارعة الطريق.. عائدتاً إلى حيث جائت و كأن شيئاً لم يكُن .. لم يلتفت أحد فالكل فى طريقه يمشى .. و أصحاب الفُرُش كلاً فى أحد مراحل التوسيخ المختلفه .. إلا ذلك الشاخص أنا .. توقفت بعدما إنتزعنى ذلك الموقف المنتظر من شهور .. فعبرت الطريق متجهاً لذلك الكيان الرابض بين أطنان الألياف النباتيه المحقونة بالمبيدات و التى فى أحسن الحالات ربما تصيبك بالسرطان – فقط – إن كنت محظوظ  .. و كلما كنت أقترب منها أكثر أشعر بذلك الخيط الذى يجذبنى للخلف لأبتعد ، و يعلوا بداخلى ذلك الصوت الخافت الذى يقول لى أبتعد .. إلى أن أصبحت على مسافة تسمح لى بتقصّى  ملامحها ، أقصد دهاليزها و بروزاتها و مناورها .. مكتشفاً إنها ليست من النوع الذى يمكن التواصل معه بأى شكل من أشكال التواصل الأدمى ، و لكنى كان دافعى للسؤال عما يدور بداخلى أكبر بكثير من الترجع الآن و هاقد أصبح بين تساؤلاتى و مصدر الإجابه بضع خطوات ،كانت لحظات مرت علىً كأنها ساعات جالت فى خاطرى كل الأحتمالات الممكنه و الغير ممكنه .. و ماذا سيحدث على أسوأ تقدير؟! ربما جعلتها تضطر للقيام مرة آخرى و الذهاب لمنتصف الطريق لتكمل تلّ البقايا بما –قد- يتبقى منى بعد أول ردة فعل متوقعه منها .. إلى أن أفقتُ من خيالاتى على صوت أحبالها الصوتيه يُزمجر منادياُ على أحد الباعه ذاكرةً أمهِ ببعض التشبيهات و الصفات المصنفه +18
، ليرد عليها فى حماسه و الضحكه من الآذن للآذن فى وضوح صارخ لرد الفعل المُصطنع بالرضا عما نادته به حتى لا يًفتك به و يلحق هو بدلاً منى مرتفعات السيده عائشه – El sayeda Aesha Hights-
  و حينها فقط تحول الخيط الذى يجذبنى للخلف إلى جنزير قطر شاحنات و الصوت الخافت تحول إلى صراخ حاد يقول " إنفد بجلدك " ، و فى لحظة تغير إتجاهى عائداً للرصيف المقابل ماراً بالتل، ماسحاً عرقى. متجهاً إلى أقرب صاحب محل و الذى أُلُقى أمامه للتوّ ذلك التل سائلاُ أياه كيف يرضى بذلك و عن سر و ضع القمامع فى قارعة الطريق الذى يمر عليه كل يوم سيل من السيارات و الحافلات ,, إلى أن جاءت الأجابة التى قلبت موازين الفيزياء رأساً على عقب ( يا أستاذ العريبات لما بتعدى عليهم ، عربيه فى التانيه مش بنلاقى ورقه منهم .. بيروحوا كلهم ) ، يا صلاة النبى !! و نحن المضحوك علينا فى مدارس و جامعات مصر !! و نُلقن من يومنا أساسيات الفيزيا " الماده لا تُفنى و لا تُستحدث من العدم" ، فتباً لك أنطوان-لوران دُ لافوازييه  و تباً لمن صدق خُرافتك. رحمك الله يا مصطفى مشرفه، ضاع عُمرك هباء فى إثبات صحة ما ثُبت إنعدامه صحته، فليذهب العالم كله إلى جحيم الجهل، إلا هنا فى مرتفعات السيده حيث تُفنى الماده مع مرور السيارت .. متحديةً كل علماء الكون و عقلاءه .. فشكرت الرجل على إفشاءه أحد أسرار – المنتئه – رغم أنه قالها دون أى إكتراث منه حول خطورة و سرية ما يقول .. من يومها و أنا أحترم منطق و فعل من يُلقى المخلفات فى منتصف الطريق فى كيس مجمعة و ليس فُراده .. لآنهم يكونوا على قناعة أنها ستُفنى من تلقاء نفسها ، و حسبىّ الله فيمن يُلقيها فُراده ..
رحلت يومها على أمتحان الفيزياء الذى لم أستطع أجتيازه بعدما أستخدمت فيه فرضية السوق و بعض خصائصها ، رحلت يومها .. و أنا على يقين أن يوم القيامه لن يشهد عليهم فقط كتاب العربى بمقولته الشهيره ، و إنما سيشهد كذلك قانون البقاء على خلو مسؤليته عمّا فعل السفهاء منّا .. شاهدا عليهم الصناديق القابعه على بعد عشرة أمتار من مدخل السوق لتجميع القمامه .. سيشهد عليهم كل صاحب سيارة أصطحب أحد تلك الكياس فى رحلة بسيارته متشابكاُ بأياها بضع أمتار ليكمل بها الرجله غيره إلى أن ينفجر مبعثراُ محتوياته فى كل جنبات طريق السوق .. سأشهد عليهم أنا و شاكياً قذارتهم و كيف أنهم كانوا سبباً فى رسوبى فى إمتحان الفيزياء التى تلاعبوا بىّ فى ثوابتها و مفاهيمها. .
 و أنت قبل أن تكن متضامناُ معى أو على خوفاُ من سيدة السوق الخرافية .. فلتراجع مفاهيمك عن النظافه .. فإن كنا نتحدث عن أشخاص غالبيتهم العظمى لم يمروا على التعليم، فلم يكونوا من سعداء الحظ بتعلم مقولة " النظافة من اليمان " فأين أنت ؟!
قلتراجع نفسك و مغهومك عن النظافه و إعتقادك عن مدى نظافتك .. فبرغم ان كلمة " وسخ " من الألفاظ التى لا يسمح أحد أن يُشتم بها .. إلا أننا معرضين فى كل لحظة أن نتصف بها حقا .. و إن لم يقُلها لك أول شخص يلحظك تلقيها على الارض .. فيكفى بنفسك اليوم عليك شاهداً .. ولا توارى حقيقة أنك حقاً " وسخ " ، صفتاً و شِتمة .. لفظاً و فعلاً . بل و " أوسخ " من الوحش القابع فى السّوق ، لان من المفترض إن كنت تقرأ هذا الكلام الآن أنك أكثر منها تحضراً و تعلما ً .. و على أقل تقدير مررت يوما يا إبن بلد شعبها متديناً بطبعه بمقولة " النظافة من الأيمان".